الأولى في مؤشر التنافسية الرقمية: المملكة العربية السعودية ومشهد رياديّ واعد.

شهدت منظومة ريادة الأعمال والشركات الناشئة في المملكة العربية السعودية نموّاً كبيراً في السنوات الأخيرة، محفزاً بزيادة الاستثمار الأجنبي والمبادرات الحكومية.

على الرغم من تفشّي جائحة كورونا، ارتفع عدد الصفقات في الشركات الناشئة لسنة 2020م بنسبة 35% مقارنة بعام 2019م. وكانت بالابتكارات والتقنيات الجديدة في التجارة الإلكترونية، والتسليم/الخدمات اللوجستية، وتكنولوجيا الخدمات المالية ( FinTech) والتعليم عبر الإنترنت، أبرز القطاعات التي دعمت هذا الإنجاز.

وفي “مؤشر التنافسية الرقمية”، استحوذت المملكة العربية السعودية على المرتبة الأولى من بين 140 دولة، متصدّرةً قائمة الدول الأعضاء في مجموعة العشرين التي يشملها التقرير. واستندت النتائج إلى البيانات التي قدّمها “المنتدى الاقتصادي العالمي”، وحلل التقرير مدى التقدّم الذي أحرزته البلدان مقارنة بنظرائها العالميين في السنوات الثلاث الماضية.

الدول التي تصدّرت القائمة في المؤشر هي التي تمتلك “رؤية إستراتيجية واضحة تنفذ بسرعة وتكثف الاستثمارات في الشركات الناشئة وفي الاتجاهات التكنولوجية المستقبلية”، حسبما يقول مؤسّس المركز الأوروبي للتنافسية الرقمية والمشرف على الدراسة، فيليب ميسنر. وبحسب التقرير، يعود تفسير الأداء المتفوق للمملكة العربية السعودية إلى استراتيجية” هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات” 2023، التي أطلِقت في عام 2018م لتحويل المملكة إلى قوة رقمية وتكنولوجية. 

وبالفعل،  تُعدّ التكنولوجيا اليوم محرّكاً رئيسياً لمخطّط رؤية المملكة العربية السعودية 2030 للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي،وأصبحت مستثمراً بارزاً في شركات التكنولوجيا العالمية وتشجّع على الاستثمار في هذا القطاع.

نموّ الاستثمارات الجريئة

أصبحت المملكة العربية السعودية ثالث أكثر أسواق الشركات الناشئة نشاطاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد الإمارات العربية المتحدة ومصر، بحسب تقرير “ماغنت” (MAGNiTT) حول الاستثمار الجريء لعام 2020. فقد سجّلت قيمة الاستثمارات في المملكة زيادة قياسية بنسبة 55% من إجمالي التمويل في عام 2020م، مع مساهمة بنسبة 18% من إجمالي عدد الصفقات في المنطقة في النصف الأول من عام 2020م.

وشهد عام 2020م تنفيذ 88 استثماراً بقيمة 153 مليون دولار أميركي في المملكة، ومن بين المستثمرين الأكثر نشاطاً، يذكر التقرير كلّاً من “500 ستارتابس” (500 Startups) و“مسك للإبتكار” (MiSK 500 MENA Accelerator) و“إمباكت 46” (Impact 46) و“جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا” (KAUST) و“مجموعة عقال” (OQAL) و“الشركة السعودية للاستثمار الجريء” (SVC) و“أرامكو” (Saudi Aramco).

منظومة ريادية تتكيّف مع الاتجاهات الناشئة

تستمرّ الجهات السعودية في العمل على مبادرات جديدة لمواصلة  التمويل. على سبيل المثال، قامت “الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة – “منشآت” المعنية بتنظيم قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة ودعمه، بإنشاء مصرف متخصّصٍ لدعم الشركات الصغيرة والمتوسّطة في شباط/فبراير 2021م. كما بدأت وزارة الاستثمار بإصدار تأشيرات فورية لمساعدة رواد الأعمال على إنشاء أعمال تجارية وزيادة المساعدة لنموّ القطاع الخاص غير النفطي. 

في نيسان/أبريل 2018م، أطلقت “مؤسسة النقد العربي السعودي” بالشراكة مع “هيئة السوق المالية”،  “فنتك السعودية” (Fintech Saudi)، لتكون بمثابة حافز لتطوير صناعة تكنولوجيا الخدمات المالية (fintech) في المملكة. ومن جهة ثانية، أنشأت “هيئة السوق المالية” التصريح التجريبي للتكنولوجيا المالية (FinTech ExPermit) والذي يمكن مقدمي الطلبات من المشاركة في مختبر التقنية المالية لتقديم واختبار منتجات التقنية المالية المبتكرة ذات العلاقة بالسوق المالية. بالإضافة إلى ذلك، شرعت “مؤسسة النقد العربي السعودي” في تصميم بيئة تجريبية تنظيمية (Sandbox) تسمح للشركات المحلية والعالمية الراغبة في اختبار الحلول الرقمية المبتكرة بالدخول في بيئة فعلية بغية إطلاقها في المملكة، ومنحت عدداً من المصارف والشركات تراخيص تجريبية لتقديم خدمات متنوعة في مجال المدفوعات الرقمية. 

علاوة على ذلك، تأسّست شركة “السعودية للتنمية والاستثمار التقني” – “تقنية”، المملوكة بالكامل من “صندوق الاستثمارات العامة”، لتستثمر في نتائج الأبحاث والتطوير من مختلف المؤسسات البحثية المحلية والعالمية وتسوّقها، ولتنقل التقنيات إلى المملكة على أساس تجاري في قطاعات استراتيجية مختلفة بما في ذلك تقنيات المعلومات والاتصالات والإلكترونيات.

كذلك، ظهرت مجموعة من الشركات الداعمة التابعة لتقنية هدفها خلق القيمة المضافة في قطاع التكنولوجيا . بعض الأمثلة على هذه شركة “بياك” (BIAC) لتمكين الابتكار في المملكة من خلال بناء وتشغيل ودعم وتطوير بيئة الابتكار ونقل التقنية إلى جانب إدارة المشاريع في جميع قطاعات الأعمال المختلفة. و“شركة تطوير المنتجات البحثية” (RPD Innovations) التي توفّر دعماً شاملاً لتسويق الأبحاث والتطوير المسهّل لإنشاء شركات محلية تعتمد على التكنولوجيا وتدعم أهداف رؤية 2030 المتمثلة في الابتكار الموسع وريادة الأعمال والتأثير الاقتصادي للشركات الصغيرة والمتوسطة.

البيئة الريادية قائمة على التنوع والشمولية

تلعب “الهيئة العامة للاستثمار” دوراً أساسياً في جعل ريادة الأعمال المحلية مواكبةً لمشهد ريادة الأعمال العالمي، فضلاً عن تسهيل وصول مجتمع الأعمال الدولي إلى السوق السعودي المتنوّع والمربح. بدأت الهيئة منذ عام 2017م تمنح روّاد الأعمال الدوليين رخصة ابتكار لتجريب التوسّع في شركاتهم الناشئة في السعودية باستخدام جامعات سعودية شريكة وحاضنات أعمال. بالإضافة إلى ذلك، أطلقت “الهيئة العامة للاستثمار” في المملكة “الشركة السعودية للاستثمار الجريء” (SVC) التي تجذب شركات رأس المال الاستثماري العالمية إلى المملكة.

بالإضافة إلى ذلك، بدأت المملكة باعتماد فكرة مساحات العمل المشتركة، بدايةً مع “أسترولابز” (Astrolabs)، وهي حاضنة أعمال ومجتمع مساحات عمل مشتركة وأكاديمية تعليمية لشركات التكنولوجيا الرقمية، ومقرّها دبي. حازت “أسترولابز” على ترخيص حاضنة أعمال من “الهيئة العامة للاستثمار” في المملكة العربية السعودية  في كانون الأول/ديسمبر 2018م، لتصبح أول حاضنة دولية في المملكة. وستعمل كشريك مع الهيئة لمساعدة الشركات التقنية الناشئة على التوسع في المملكة من خلال إجراءات الترخيص المعجّلة ومن دون الحاجة لرأس المال. بالإضافة إلى ذلك، يوفر “بيت المنشآت” (The Startups House) مساحات عمل مشتركة ويؤمن بيئة تعليمية لتمكين الوصول إلى مسابقات ريادة الأعمال والحصول على تمويل، كما يسهّل وصول الشركات الناشئة الأجنبية إلى السوق السعودي.

تنمية رأس المال البشري

تشجع المملكة على الاستثمار في رأس المال البشري كمدخل استراتيجي لتحسين بيئة ريادة الأعمال. وفي هذا الإطار، لعبت مؤسّسة “مسك” (Misk) السعودية غير الربحية دوراً محورياً لتطوير المواهب اللازمة في المملكة. ومن الأمثلة على هذه البرامج، برناج “مسك 500 أكسيليريتور” الذي تجريه بالتعاون مع مموّل المشاريع الناشئة العالمي “500ستارتبس” (500Startups)، وهو يركّز على تطوير الشباب السعودي الذي تبنى تقنيات التنمية من وادي السيليكون لدعم وتمويل الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كما استقطبت “مسك” للابتكار، برعاية وزارة التربية والتعليم ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات و“شركة الاتصالات السعودية”، أكثر من مليون شخص للمشاركة في مبادرة “السعودية تبرمج” لتعليم مهارات البرمجة الأساسية. بالإضافة إلى ذلك ، اجتذبت العديد من برامج الهاكاثون المركزة على القطاعات الآلاف من المطورين، مثل “هاكاثون الحج” الذي نظمه الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، والذي حطم الرقم القياسي العالمي لموسوعة غينيس لمعظم المشاركين بحوالي 3000 مطور من 100 دولة.

من الواضح أن منظومة ريادة الأعمال السعودية تنمو وتزدهر مع إنشاء عدد كبير من الشركات التي توفّر الخدمات والسلع والوظائف. وهذا مرجّح للاستمرار إلى أن نشهد المزيد من شركات ناشئة “يونيكورن” في السعودية قريباً!